التدريس: زرع العلم

ما هو التدريس؟ من وجهة نظري، ليس التدريس مجرد كتابة المعلومة لينقلها الطلاب؛ فهذا أشبه بالتمثيل. وليس مجرد شرح المعلومة ليفهمها الطلاب، وإن كان هذا جيدًا.

التدريس هو عملية زرع العلم زرعًا في عقل الطالب، بحيث لا يصبح فقط فاهمًا لهذا العلم، ولكن فاهمًا لماذا وكيف تمّ إنتاجه؛ فتتكوّن عنده المَلَكة والقدرة على اختراع الجديد واكتشافه واستنباطه.

وقد اخترت كلمة «زرع» لأنها فعلًا معبّرة عن المعنى الذي أقصده. فعند وضع البذور في الأرض الصالحة المعدّة لذلك، تنبت شجرة تقوم هي في المستقبل بإنتاج المزيد من الثمار والبذور، بشرط صلاح عملية الزراعة وصلاح الأرض.

المعلّم: صلاح عملية الزراعة

المعلّم هو من يقوم بزرع العلم في عقل الطالب على هذا النحو. ولكي يقوم بهذه العملية على أكمل وجه، يجب أن تتوفّر فيه ثلاثة شروط:

١. الفهم العميق للعلم وأساسياته وتطبيقاته

يجب أن يكون المعلّم نفسه صاحب فهم عميق لهذا العلم وأساسياته وتطبيقاته؛ أي أن يفهم العلم والمنطقة المحيطة به، قبله وبعده. فهمًا علميًّا دقيقًا وصارمًا، يجمع بين الأسس النظرية، والحدس الذي وراءها، وتطبيقاتها. وبدون هذا لن يتمكّن من نقل هذا الفهم إلى الطالب؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

٢. المَلَكة والشغف والخبرة

التدريس وتوصيل المعلومة مَلَكة وشغف يعطيهما الله تعالى من يشاء. ولكنهما، شأن أي مَلَكة، يمكن أن يُعوَّض نقصهما ولو جزئيًّا بالتدريب والخبرة.

٣. الإعداد والتحضير

والمقصود به إعداد المادة العلمية جيدًا جدًّا بالأمثلة، والرسومات، والتفصيل، والوسائل، بل وعمل تدريب مسبق على الشرح: تتخيّل أسئلة وتُعِدّ إجاباتها، وتتخيّل حوارات بينك وبين الطلاب، وتفعل كل ما تستطيعه لتتأكّد من أن ما تفهمه فهمًا عميقًا، وتملك القدرة على توصيله، سوف يصل فعلًا بهذا الإعداد. هذا، باختصار شديد، هو ما أقصده بصلاح عملية الزراعة.

المتعلّم: صلاح الأرض

الطالب هو من سيتلقّى العلم من المعلّم. ويجب أن يكون مستعدًّا ومهيّأً لهذا العلم، وإلّا فما الفائدة؟ وأظن أن هناك ثلاثة شروط تتوازى تمامًا مع الشروط الثلاثة المطلوبة في المعلّم:

١. الفهم العميق للأساسيات والمتطلبات السابقة

يجب أن يكون الطالب نفسه صاحب فهم عميق للأساسيات والمتطلبات السابقة، وإلّا سيضيع الوقت والمجهود في دائرة مفرغة.

٢. المَلَكة والشغف والمجهود

الاستيعاب واستقبال المعلومة مَلَكة أيضًا يؤتيها الله من يشاء، ولكنها تُعوَّض ولو جزئيًّا بالمجهود والمذاكرة والمثابرة. أمّا ما لا يمكن تصوّره فهو عدم الرغبة أو الشغف للتعلّم، أو التعلّم اضطرارًا؛ فهذا قاتل للمعلّم والمتعلّم.

٣. الوسائل والإعداد

وهذا يشمل كل البيئة التعليمية والمجتمعية المحيطة بالمعلّم والمتعلّم معًا. وهنا يجفّ القلم. هذا، باختصار شديد، هو ما أقصده بصلاح الأرض.

وما التوفيق إلا بالله.

د. وليد يوسف